محمد سالم أبو عاصي

40

علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف

ويملك قلبك . وسوء الاختيار في شيء من ذلك قد ينزل به حتى تمجّه أذنك ، وتغثي منه نفسك ، وينفر منه طبعك " . ثم يقول - رحمة اللّه عليه : " . . فالجديد في لغة القرآن أنه في كل شأن يتناوله من شؤون القول يتخير له أشرف الموادّ ، وأمسّها رحما بالمعنى المراد ، وأجمعها للشوارد ، وأقبلها للامتزاج ، ويضع كل مثقال ذرة في موضعها الذي هو أحق بها وهي أحق به . . . بحيث لا يجد المعنى في لفظه إلا مرآته الناصعة ، وصورته الكاملة ، ولا يجد اللفظ في معناه إلا وطنه الأمين ، وقراره المكين . لا يوما أو بعض يوم ، بل على أن تذهب العصور وتجيء العصور ، فلا المكان يريد بساكنه بدلا ، ولا الساكن يبغي عن منزله حولا . . وعلى الجملة يجيئك من هذا الأسلوب بما هو المثل الأعلى في صناعة البيان " . ثم ينتقل إلى خصائص الأسلوب القرآني ، فيبين الأسباب التي بلغ بها درجة الإعجاز . . ونجتزئ من كلماته النيّرة الفذة . . قال - رحمة اللّه عليه : خطاب العامة وخطاب الخاصة : وهاتان غايتان أخريان متباعدتان عند الناس . فلو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء ؛ لنزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب . ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء ؛ لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم . فلا غنى لك ( إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حظّها كاملا من بيانك ) أن تخاطب كل واحدة منهما بغير ما تخاطب به الأخرى ، كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال . فأما أن جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء ، وإلى الأذكياء والأغنياء ، وإلى السّوقة والملوك . . فيراها كلّ منهم مقدّرة على مقياس عقله وعلى وفق